جميع الفئات

كم تدوم بطارية الطائرة المُسيرة؟

2026-02-06 10:40:23
كم تدوم بطارية الطائرة المُسيرة؟

التنبؤ بالمدة التي يمكن أن يبقى فيها الطائرات المُسيرة جوّيًّا قد يبدو أمرًا بسيطًا كأنه يقتصر على قراءة ورقة المواصفات الصادرة عن الشركة المصنِّعة، لكنه في الواقع يُعَدُّ أحد أكثر الحسابات دقةً وتعقيدًا في مجال الأنظمة الجوية غير المأهولة. فمدة الطيران ليست خاصيةً ثابتةً، بل هي نتيجةٌ ظهوريةٌ ناجمةٌ عن التفاعلات الكهربائية والميكانيكية والأيروديناميكية والبيئية معًا. ويَعتمِد المهندسون والطيارون والباحثون جميعًا على تقديرٍ دقيقٍ لمدى التشغيل (الاستمرارية) لتخطيط المهام وتصميم أنظمة الدفع وتقييم تقنيات البطاريات. وبالتالي، فإن فهم كيفية حساب مدة طيران الطائرة المُسيرة يتطلّب رؤيةً شموليةً للطائرة باعتبارها نظامًا لتحويل الطاقة، لا مجرد مجموعة من المكوّنات المنفصلة.

في صميم هذا الحساب تكمن العلاقة بين الطاقة المخزّنة و استهلاك الطاقة تُعتبر بطارية الطائرة المُسيرة خزّانًا للطاقة الكيميائية، التي تتحول إلى طاقة كهربائية ثم إلى دفع ميكانيكي. ويعتمد زمن الطيران على سرعة نفاد هذه الطاقة المخزَّنة. وعلى الرغم من أن المبدأ الأساسي يشبه نموذج استهلاك الوقود في الطائرات التقليدية، فإن الدفع الكهربائي يُدخل خصائص فريدةً مثل انخفاض الجهد (Voltage Sag)، ومنحنيات التفريغ غير الخطية، والأداء الذي يعتمد على درجة الحرارة. وهذه العوامل تجعل تقدير المدى الزمني للطيران مثيرًا للاهتمام تقنيًّا وحاسمًا تشغيليًّا.

لبدء العملية، يجب قياس الطاقة المتاحة في بطارية الطائرة المسيرة. وتستخدم معظم الطائرات المسيرة الاستهلاكية والمهنية حزم بطاريات الليثيوم-بوليمر (LiPo) أو الليثيوم-أيون (Li-ion)، والتي تُعبَّر سعاتها عادةً بوحدة الميلي أمبير-ساعة. ومع ذلك، لا يُحدد السعة وحدها كمية الطاقة؛ بل يجب أخذ الجهد أيضًا في الاعتبار. فطاقة البطارية الإجمالية هي حاصل ضرب سعتها في جهدها الاسمي، وتُعبَّر عنها بوحدة الواط-ساعة. وهذه التحويلة ضرورية لأن استهلاك الطاقة يقاس بوحدة الواط، أما المدة الزمنية للتشغيل (التحمل) فهي في النهاية نسبة الواط-ساعة إلى الواط. ومع ذلك، فإن هذه التحويلة وحدها لا تعبِّر بدقة عن السلوك الفعلي في ظروف التشغيل الواقعية. فغالبًا ما لا تزود البطاريات طاقتها الاسمية الكاملة بسبب مقاومتها الداخلية، وتأثير التقدم في العمر، والقيود الأمنية المفروضة على الحد الأدنى للجهد. ونتيجةً لذلك، يتعامل المهندسون عادةً مع «الطاقة القابلة للاستخدام»، وهي قيمة مُخفَّضة تعكس القيود العملية بدلًا من المواصفات المخبرية.

وبمجرد فهم الطاقة المتاحة، يتحول الانتباه إلى استهلاك الطائرة المُسيرة للطاقة. وفي منصات الطائرات متعددة المراوح، تشكّل نظام الدفع الغالبية العظمى من استهلاك الطاقة. ويجب أن يولِّد كل محرك قوة دفع كافية لمعادلة وزن الطائرة المُسيرة، وتزداد الطاقة المطلوبة لتوليد هذه القوة بسرعةٍ كبيرةٍ مع ازدياد الحمل. وتخضع العلاقة بين قوة الدفع والطاقة لمبادئ الديناميكا الهوائية للمراوح وكفاءة المحرك، وكلاهما يتغيران تبعًا لسرعة الدوران. وبذلك فإن الطائرة المُسيرة التي تطفو في وضع الاستقرار عند مستوى مريح من التحكم في سرعة المحرك تستهلك طاقةً أقل بكثيرٍ مقارنةً بتلك التي تعمل بالقرب من أقصى قدرتها على توليد قوة الدفع. ولذلك فإن إضافة أي حمولة — حتى لو كانت صغيرةً — قد تقلل وقت الطيران بشكلٍ ملحوظ: إذ إنها تدفع نظام الدفع إلى العمل في نطاقٍ أقل كفاءةً.

تُستخدم عادةً قوة التحليق الثابت (Hover power) كمرجع أساسي لتقدير المدى الزمني للطيران، لأنها تمثّل حالة توازن ثابتة. ويوفّر قياس تيار وفولتية التحليق الثابت تقديرًا مباشرًا لاستهلاك القدرة. ومع ذلك، نادرًا ما تتكون المهام الفعلية من تحليق ثابت بحت. فالطيران الأمامي، والصعود، والكبح، والمناورة تفرض جميعها أحمالًا ديناميكية على المحركات. كما أن الرياح تُدخل متغيرات إضافية، وقد تؤدي في بعض الأحيان إلى زيادة استهلاك القدرة بشكل كبير. ولذلك فإن حسابات المدى الزمني المستندة حصريًّا إلى بيانات التحليق الثابت تميل إلى التفاؤل الزائد. أما التنبؤات الأكثر دقة فهي تتطلب فهمًا لكيفية تقلّب استهلاك القدرة طوال مسار المهمة.

يُقسِّم النمذجة القائمة على المهمة الرحلة إلى مقاطع — الإقلاع، والصعود، والطيران المستوي، والهبوط، والهبوط النهائي — ويعيِّن قيمة طاقة لكل قطاع. وعادةً ما تتطلَّب مراحل الإقلاع والصعود أعلى قدر من الطاقة، في حين قد تتطلَّب مرحلة الهبوط كمية ضئيلة جدًّا منها. أما طاقة الطيران المستوي فهي تعتمد على سرعة الهواء، والمقاومة الهوائية، والرفع الانتقالي. وتتعرَّض الطائرات متعددة المراوح (Multirotor drones) لانخفاض معتدل في استهلاك الطاقة أثناء الطيران الأمامي؛ لأن تدفُّق الهواء عبر المراوح يصبح أكثر كفاءة، لكن هذه الميزة غالبًا ما تُلغى جزئيًّا بسبب الزيادة في المقاومة الناتجة عن هيكل الطائرة والحمولة. وبإعطاء وزنٍ كلِّ قطاعٍ وفق مدته الزمنية، يمكن للمهندسين حساب متوسط قيمة للطاقة تعكس الواقع التشغيلي بشكل أدق.

How Long Does a Drone Battery Last-1

تُعقِّد الظروف البيئية أكثر فأكثر تقدير المدى التشغيلي. فتنخفض كثافة الهواء مع الارتفاع عن سطح البحر وارتفاع درجة الحرارة، مما يقلل من كفاءة المراوح ويضطر المحركات إلى الدوران بسرعة أكبر للحفاظ على قوة الدفع. كما أن الطقس البارد يقلل من أداء البطاريات بسبب إبطاء التفاعلات الكيميائية، في حين أن الطقس الحار يزيد من الإجهاد الحراري الواقع على المحركات ووحدات التحكم الإلكترونية في السرعة. أما الرياح فهي عاملٌ مؤثرٌ بشكل خاص: فالطيران عكس اتجاه رياح قوية أمامية قد يضاعف استهلاك الطاقة، بينما قد يقلل الطيران مع رياح دافعة خلفية من هذا الاستهلاك. وبما أن التغيرات البيئية أمرٌ لا مفر منه، فإن حسابات المدى التشغيلي تتضمَّن غالبًا هامش أمان لضمان قدرة الطائرة غير المأهولة على العودة إلى نقطة الإقلاع حتى في ظل تدهور الظروف.

عاملٌ آخر مهمٌ هو صحة البطارية نفسها. فمع مرور الوقت، تؤدي دورات الشحن والتفريغ المتكررة إلى تدهور الكيمياء الداخلية للبطارية، ما يزيد من المقاومة ويقلل السعة. ويظهر هذا التدهور على شكل هبوط في الجهد تحت الحمل، مما قد يؤدي إلى تشغيل تحذيرات انخفاض الجهد مبكرًا وتقليص مدة الطيران. ويسمح رصد صحة البطارية عبر قياسات المقاومة الداخلية وعدد دورات الشحن والتفريغ للمشغلين بالتنبؤ بانخفاض الأداء واستبدال البطاريات قبل أن تصبح غير موثوقة. أما في إدارة الأساطيل على المدى الطويل، فإن تتبع شيخوخة البطاريات يكتسب أهميةً مماثلةً لأهمية حساب مدة الطيران.

كما تؤثر خصائص الحمولة على المدى الزمني للطيران بطرق تمتد إلى ما وراء الوزن فقط. فعديدٌ من الحمولات الاحترافية — مثل أجهزة مسح الليدار (LiDAR)، والكاميرات متعددة الطيف، ووحدات الاتصالات — تستمد طاقتها الكهربائية من بطارية الطائرة المسيرة. ويجب إضافة هذا الاستهلاك الإضافي إلى استهلاك الطاقة الخاص بالدفع عند تقدير إجمالي استهلاك الطاقة. وقد يبدو أن حمولةً تستهلك ٢٠ واط أمرٌ غير جوهري، لكنها خلال مهمةٍ مدتها ٣٠ دقيقة تستهلك ١٠ واط-ساعة، ما قد يقلّل زمن الطيران بعدة دقائق. ولذلك، يجب على المهندسين أخذ التأثيرات الميكانيكية والكهربائية للحمولات في الاعتبار معًا عند حساب المدى الزمني للطيران.

تلعب عملية اختيار المروحة دورًا كبيرًا بشكل مفاجئ في تحسين مدة الطيران. فالمراوح الأكبر حجمًا ذات الميل المنخفض تكون عادةً أكثر كفاءة في توليد الدفع عند السرعات الدورانية المنخفضة، ما يجعلها مثاليةً للطائرات المسيرة التي تُركّز على المدى الطويل. أما المراوح الأصغر حجمًا ذات الميل المرتفع فهي تُنتج دفعًا أكبر عند السرعات العالية، لكنها أقل كفاءةً أثناء التحليق الثابت. ويعود الفضل في تحقيق تحسينات كبيرة في مدة الطيران إلى مواءمة خصائص المروحة مع متطلبات المهمة. وبالمثل، فإن تصنيف المحرك من حيث القيمة (KV)—أي عدد الدورات لكل فولت—يؤثر أيضًا في الكفاءة. إذ إن المحركات ذات القيمة (KV) المنخفضة عند تركيبها مع مراوح كبيرة غالبًا ما توفر أداءً ممتازًا من حيث المدى الطويل، لأنها تعمل بكفاءة عالية عند سرعات دوران منخفضة.

لتحسين تنبؤات المدى، يعتمد المهندسون في كثير من الأحيان على الاختبارات التجريبية. وتوفّر منصات قياس الدفع قياساتٍ تفصيليةً للدفع والتيار والجهد والكفاءة لمجموعات المحرك-المروحة المحددة. وتسمح هذه البيانات للمهندسين برسم منحنيات الأداء التي تُبيّن العلاقة بين استهلاك الطاقة ومخرجات الدفع. وبمعرفة وزن الطائرة المسيرة، يمكن تحديد مقدار الدفع المطلوب لكل محرك، ثم قراءة قيمة الطاقة المقابلة من المنحنى. وهذه الطريقة أدقُّ بكثيرٍ من الاعتماد على مواصفات الشركة المصنِّعة أو قياسات التحوُّم البسيطة.

تُولِّد الطائرات المُسيرة الحديثة أيضًا سجلاًّ واسع النطاق من بيانات القياس عن بُعد (Telemetry)، تسجِّل فيه التيار والجهد وموضع دواسة التحكم في السرعة (Throttle) وسرعة دوران المحرك (RPM) طوال مدة الرحلة. ويوفِّر تحليل هذه السجلات رؤىً حول كيفية تغير استهلاك الطاقة في الظروف الفعلية. وبمرور الوقت، يمكن للمُشغِّلين إنشاء نماذج تنبؤية مُصمَّمة خصيصًا لطائرتهم المُسيرة المحددة، وللحمولة التي تحملها، ولنوع المهمة الموكلة إليها. وبعض الأنظمة المتقدمة تستخدم حتى تقنيات التعلُّم الآلي للتنبؤ بمدة الرحلة استنادًا إلى البيانات التاريخية، والمدخلات البيئية، ومعايير المهمة.

ورغم تعقيد هذه العوامل، فإن الحساب الأساسي يظل بديعَ البساطة: زمن الطيران يساوي الطاقة القابلة للاستخدام مقسومةً على متوسط استهلاك القدرة. وتكمُن التحديات في تحديد هاتين القيمتين بدقة. وتعتمد الطاقة القابلة للاستخدام على كيمياء البطارية ودرجة الحرارة وعمر البطارية وحدود التفريغ. أما متوسط استهلاك القدرة فيعتمد على الوزن والأداء الهوائي وكفاءة نظام الدفع وديناميكية المهمة والظروف البيئية. وبتحليل كل عاملٍ من هذه العوامل بشكل منهجي، يمكن للمهندسين إعداد تقديراتٍ عالية الموثوقية لمدة التشغيل.

How Long Does a Drone Battery Last-2

في العمليات الاحترافية، لا تُعتبر تقديرات المدى الزمني للطيران مجرد تمرينٍ فنيٍّ فحسب، بل هي شرطٌ أساسيٌّ لضمان السلامة. وغالبًا ما تشترط الأطر التنظيمية أن تحتفظ الطائرات المُسيرة بطاقة احتياطية للتعامل مع الأحداث غير المتوقعة مثل تغيرات الرياح أو الهبوط الطارئ. ويضمن التنبؤ الدقيق بمدة الطيران الامتثال لهذه الأنظمة واللوائح، كما يقلل من خطر انقطاع الطاقة أثناء الطيران. أما في التطبيقات التجارية مثل رسم الخرائط والتفتيش والتوصيل، فإن مدى الطيران يؤثر مباشرةً على الإنتاجية وكفاءة التكلفة. فالطائرة المسيرة التي يمكنها البقاء في الجو لبضع دقائق إضافية فقط قد تغطي مساحةً أكبر بكثير أو تنجز مهامًا إضافية في كل مهمة.

وبالنظر إلى المستقبل، فإن التقدم في تقنيات البطاريات يبشر بإعادة تشكيل طرق حساب المدى التشغيلي. فبطاريات ليثيوم-كبريت، والبطاريات ذات الحالة الصلبة، وبطاريات الأنود عالي السيليكون توفر كثافات طاقة أعلى مقارنةً بالكيميائيات الحالية للبطاريات الليثيوم-بوليمر (LiPo) والليثيوم-أيون (Li-ion). كما توفر خلايا الوقود الهيدروجينية وأنظمة الطاقة الهجينة مسارات بديلة لتحقيق أوقات طيران أطول، لا سيما للطائرات المسيرة الكبيرة. ومع نضج هذه التقنيات، ستتطور الأساليب المستخدمة لحساب المدى التشغيلي، لكن المبادئ الأساسية المتعلقة بالطاقة والقدرة ستظل محورية.

How Long Does a Drone Battery Last-3

باختصار، تتطلب حساب مدة طيران الطائرة المُسيرة فهمًا شاملاً لكيفية تخزين الطاقة وتحويلها واستهلاكها. وعلى الرغم من أن الصيغة الأساسية بسيطة، فإن الدقة في الظروف الواقعية تتطلب تأمّلًا دقيقًا لسلوك البطارية وكفاءة نظام الدفع وديناميكيات المهمة والتأثيرات البيئية وخصائص الحمولة. وبدمج النمذجة النظرية مع الاختبار التجريبي وتحليل البيانات، يمكن للمهندسين التنبؤ بمدة الطيران بثقةٍ وتحسين أداء الطائرات المسيرة لتلبية المهام المتنوعة التي صُمِّمت لأدائها. ولَيس مدى الطيران مجرد مواصفة فنية؛ بل هو انعكاسٌ لجودة التصميم العام للطائرة المسيرة وجاهزيتها التشغيلية.

جدول المحتويات